الأسبوع العربي

سلاح بناء العقول وحماية الأجيال

 

✍️ بقلم الدكتورة نسمة محمد السيد
حرره حازم علي أدهم

في كل بيت طفل وفي كل طفل مستقبل وطن ذلك الصغير الذي يلهو ببراءة لا يعلم أن جسده وعقله في سباق خفي بين الغذاء السليم والعادات الخاطئة بين الوعي والجهل وبين رعاية الأم وإهمال المجتمع التغذية العلاجية ليست مجرد وجبات متوازنة بل علم دقيق يربط بين الغذاء والدواء بين اللقمة والعافية وبين ما يأكله الطفل اليوم وما سيصبح عليه غدًا فالأمم القوية لا تبنى فقط بالجيوش والمؤسسات بل بأطفال أصحاء يملكون أجسادًا قوية وعقولًا ناضجة ولهذا أصبحت التغذية العلاجية للطفل قضية وطنية يجب أن تتكامل فيها جهود الأسرة والمدرسة والمجتمع والدولة

يقول الأطباء إن أول ألف يوم في حياة الإنسان هي الفرصة التي لا تعوض منذ لحظة تكوّن الجنين في رحم الأم وحتى نهاية العام الثاني تتشكل الأعضاء الحيوية والمناعة والدماغ والعظام وفي هذه المرحلة الحرجة تكون التغذية العلاجية للأم الحامل والطفل الرضيع هي مفتاح الوقاية من أمراض مزمنة قد تلازم الإنسان مدى الحياة فإذا كانت الأم تعاني من نقص الحديد أو الكالسيوم أو الفيتامينات سينعكس ذلك مباشرة على الجنين وإذا لم يتلقّ الطفل الرضيع غذاءً كافيًا ومتوازنًا قد يصاب بالتقزم أو ضعف المناعة أو تأخر النمو العقلي ولهذا تؤكد منظمات الصحة العالمية على أهمية الرضاعة الطبيعية لمدة لا تقل عن ستة أشهر لأنها تمنح الطفل مناعة طبيعية لا يمكن لأي لبن صناعي تعويضها وإدخال الأغذية التكميلية تدريجيًا بعد الشهر السادس مع استمرار الرضاعة حتى العامين ومتابعة النمو الدوري للطفل لضمان التوازن بين الوزن والطول ومؤشرات النمو العقلي

العقل البشري في سنواته الأولى يشبه الإسفنجة يمتص كل ما حوله لكنه أيضًا يحتاج إلى تغذية دقيقة حتى ينمو فالأحماض الدهنية مثل الأوميغا ثلاثة المتوفرة في الأسماك والمكسرات تلعب دورًا أساسيًا في تكوين خلايا الدماغ والذاكرة أما الحديد فينقل الأوكسجين إلى الدماغ ويمنع الأنيميا التي تؤثر مباشرة على التركيز والتحصيل الدراسي واليود عنصر لا يقل أهمية إذ يسهم في بناء هرمونات الغدة الدرقية المسؤولة عن التطور الذهني ونقصه قد يؤدي إلى بطء في التفكير أو حتى تخلف عقلي في الحالات الشديدة كما أن فيتامين د ضروري لامتصاص الكالسيوم وتقوية العظام والأسنان وفيتامين أ يحافظ على النظر والمناعة الجلدية إن الطفل الذي يحصل على غذاء متوازن غني بهذه العناصر هو طفل أكثر قدرة على الفهم والحركة والتفاعل ومقاومة العدوى أما الذي يعيش على الحلويات والمقرمشات والمشروبات الغازية فسرعان ما يظهر عليه الإرهاق وضعف الانتباه وتكرار المرض

عندما يسمع الناس مصطلح التغذية العلاجية يتبادر إلى أذهانهم الوقاية لكن الحقيقة أن هذا العلم أصبح اليوم جزءًا لا يتجزأ من الطب العلاجي ففي المستشفيات والمراكز الطبية هناك أقسام كاملة تعنى بتصميم برامج غذائية تناسب حالة كل طفل مريض ففي حالات الأنيميا ينصح بتناول الكبدة والسبانخ والعدس والتفاح مع تجنب الشاي بعد الوجبات لأنه يقلل امتصاص الحديد وفي حالات السمنة يتم الاعتماد على نظام منخفض السعرات يعتمد على الخضروات والفواكه مع ممارسة النشاط البدني المنتظم وفي حالات حساسية اللبن أو الجلوتين يتم استبدال المنتجات ببدائل آمنة مثل حليب الصويا أو الأرز وفي حالات التوحد واضطراب فرط الحركة تثبت الدراسات أن تعديل النظام الغذائي وتقليل السكريات والألوان الصناعية يحسن من السلوك والانتباه وفي حالات الإمساك المزمن تستخدم أغذية غنية بالألياف الطبيعية كالفواكه والخضروات والبقوليات كل هذه النماذج تؤكد أن التغذية العلاجية ليست ترفًا بل هي ركن أساسي في خطة الشفاء

مع انتشار وسائل الإعلام والإعلانات الموجهة للأطفال أصبح الصغير يتعرض يوميًا لغزو من صور الحلويات والمقرمشات والعصائر الصناعية وتغيب عن الكثير من الأسر الثقافة الغذائية السليمة فينشأ الطفل على وجبات سريعة ومشروبات غازية وأطعمة محفوظة مليئة بالدهون المهدرجة والصوديوم والسكريات ونتيجة ذلك تظهر مبكرًا ارتفاع معدلات السمنة بين الأطفال وتزايد الأمراض المزمنة مثل السكري وضغط الدم وضعف المناعة وكثرة نزلات البرد وضعف التركيز الدراسي واضطرابات سلوكية بسبب ارتفاع السكر والكافيين في الدم إن إعادة توجيه الطفل نحو الأكل الطبيعي ليست مهمة سهلة لكنها ضرورية لإنقاذ جيل كامل من أمراض المستقبل

التوازن هو سر التغذية العلاجية الناجحة ويمكن تبسيطه في خطة يومية ثابتة الإفطار كوب لبن بيضة مسلوقة أو فول ثمرة فاكهة وجبة خفيفة مكسرات غير مملحة أو كوب زبادي طبيعي الغداء طبق خضار أرز أو بطاطس بروتين لحم أو دجاج أو سمك العشاء شوربة خفيفة أو زبادي قطعة فاكهة الماء من ستة إلى ثمانية أكواب يوميًا ويفضل تجنب المقليات والمشروبات الغازية والحلوى المصنعة واستبدالها بالعصائر الطبيعية والفواكه الطازجة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى